ابن الجوزي
232
صيد الخاطر
قال : دعاني المعتصم يوما فأدخلني معه الحمام ، ثم خرج فخلا بي وقال : يا أبا إسحاق في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه ، ان أخي المأمون اصطنع قوما فأنجبوا ، واصطفيت أنا مثلهم فلم ينجبوا . قلت ومن هم ؟ قال : اصطنع طاهرا وابنه وآل سهل فقد رأيت كيف هم . واصطنعت أنا الافشين فقد رأيت إلام آل أمره ، وأشناس فلم أجده شيئا ، وكذلك ايتاخ ووصيف « 1 » . قال : يا أمير المؤمنين ، هاهنا جواب على أمان من الغضب . قال : لك ذاك . قلت : نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها ، واستعملت فروعا لا أصول لها فلم تنجب « 2 » ، فقال : يا أبا إسحاق مقاساة ما مر بي طول هذه المدة أهون عليّ من هذا الجواب . أما الصور ، فإنه متى صحت البنية ولم يكن فيها عيب فالغالب صحة الباطن وحسن الخلق ، ومتى كان فيها عيب فالعيب في الباطن أيضا ، فاحذر من به عاهة كالأقرع والأعمى وغير ذلك ، فان بواطنهم في الغالب ردية « 3 » . ثم مع معرفة أصول المخالط وكمال صورته لا بد من التجربة قبل المخالطة ، واستعمال الحذر لازم ، وان كان كما ينبغي . 184 - الذكاء والتلطف في طلب الاغراض ينبغي أن يكون شغل العاقل في العواقب والتحرز مما يمكن أن يكون . ومن الغلط النظر في الحالة الحاضرة كالموافق لمعاشه ولصحة بدنه ، وربما يجري له مصحوبه فينبغي أن يعمل على انقطاع ذلك ، فيكون مستعدا لتغير الأحوال . وكذلك النظر في لذة تفنى وتبقى تبعتها وعارها ، وإيثار الكسل والدعة لما يجيء من بقاء الجهل . وكذلك تحصيل المرادات التي لا تحصل الا بالتلطف في الاحتيال ، خصوصا إذا أريد من ذكي فإنه يفطن بأقل تلويح ، فمن أراد غلبة الذكي دقّق النظر وتلطف في الاحتيال . وقد ذكر في كتب الحيل ما يشحذ الخواطر ، وأتينا بجملة منه في كتاب
--> ( 1 ) هؤلاء كلهم من غلمان الأتراك الذين جاء بهم المعتصم فجعلهم قواد الدولة ورؤساءها فكانت جناية على تاريخنا . ( 2 ) لما اعتقدتم أناسا لا حلوم لهم * ضعتم وضيعتم من كان يعتقد ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم * حمتكم السادة المذكورة الحشد ( 3 ) اللّه أعلم بصحة هذا الحكم .